أحمد بن محمد ابن عربشاه
418
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
الموت أهون من الفضيحة فاغفر لي هذه القبيحة ، وأنا أحلف يا ودود بالله الرب المعبود ، أنى أتوب ولا أعود ، ثم ألحت عليه وتضرعت لديه ، فلم يفتح لها بابا ولا رد عليها جوابا . فقالت : والله اللطيف الخبير ، لئن لم تفتح الباب لألقين نفسي في هذا البير ، ولأرمينك بقتيل بين الحقير والجليل ، ثم عمدت إلى حجر كبير وطرحته في تلك البير . ثم اختفت عند الباب ، لتنظر ما يبرزه القضاء من الحجاب ، فلما سمع زوجها خبطة الحجر تصور أنها تلك البغى فابتدر ، وفتح الباب وإلى نحو البئر طفر ، ولم يشك أن تلك البغى ألقت نفسها في الطّوىّ ، فما وصل إلى البير ذلك الرجل الغرير ، إلا وقد دخلت وفي وسط الدار حصلت ، ثم أوصدت الباب واستغاثت بالجيران والأصحاب ، وأحكمت الرّتاج « 1 » وأوقدت السراج ، وملأت الدنيا بالعياط ، وأخذت في الهياط والمياط « 2 » ، فاجتمع الجيران ، لينظروا ما هذا الشان ، فقالت : هذا الرجل الظلام يتركنى كل ليلة حتى أنام ، ثم يتوجه إلى الزواني ، ويدعني أقاسى القلق وأعانى ، وأتقلب في أرقى وأشجانى ، فأخذ الرجل يحلف بالله ذي الجلال ويذكر للحاضرين حقيقة الحال ، فتارة يصدق وأخرى يكذب ، وهو بين مصدق منهم ومذبذب ، فلم يزالا في عويل وصياح إلى أن ظهر تباشير الصباح ، فحضرا إلى القاضي واختصما ، وشهد بعفة الرجل الصلحاء والعلماء ، وأظهر الله الحق ، وثبت على المرأة الخيانة والفسق ، ولولا ذلك لذهب البريء غلطا ، وانقلب صواب المحق الصادق خطا .
--> ( 1 ) ما يغلق به الباب ( القفل ) . ( 2 ) يقال : هم في هياط ومياط ، أي في اضطراب وذهاب وجلبة وشر .